شتـاء أحمر - الفصل 5:|إليزابيث تتذكر| - بقلم Ronaaa - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: شتـاء أحمر
المؤلف / الكاتب: Ronaaa
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 5:|إليزابيث تتذكر|

الفصل 5:|إليزابيث تتذكر|

ثلاثة أيام. ثلاثة أيام قضيتها في غرفة فندق رخيصة على بعد مئتي كيلومتر من بلاكريدج، أحدق في السقف المتشقق، أحاول أن أفهم ما حدث. ثلاثة أيام لم أنم فيها إلا ساعات قليلة متقطعة، مليئة بكوابيس الأعين الحمراء والأطراف الملتوية والأجساد الممزقة. كل ما فعلته كان الجلوس، والتفكير، ومحاولة ترتيب القطع المتناثرة من حياتي. أمي كانت إليزابيث ويذرسبون. الطفلة التي اختفت عام 1953. الطفلة التي اختطفها الغول... لكنه لم يقتلها. بل حماها، رباها بطريقة ما، ثم أطلقها. غيرت اسمها، بدأت حياة جديدة بعيدًا عن بلاكريدج، تزوجت من والدي، أنجبتني وكايل. لكنها لم تخبرنا أبدًا. لم تخبرنا عن ماضيها، عن عائلتها الحقيقية، عن المخلوق الذي رباها. لماذا؟ كان هناك هاتف قديم على الطاولة بجانب السرير. نظرت إليه طويلاً، أصابعي تحوم فوق السماعة. كنت أعرف الرقم عن ظهر قلب. رقم المنزل الذي كبرت فيه، المنزل الذي انتقلت إليه أمي بعد موت والدي، بعيدًا عن بلاكريدج. لم أتحدث معها منذ ثلاث سنوات. منذ الليلة التي مات فيها كايل. كانت غاضبة مني وقتها، صرخت في وجهي، قالت إن كل شيء خطأي، إنني كنت يجب أن أحمي أخي. لم أستطع إخبارها أنني لم أكن أتذكر ما حدث. لم أستطع إخبارها أنني هربت لأنني كنت خائفة، مشوشة، لا أفهم شيئًا. فقط هربت. والآن، بعد ثلاث سنوات، كنت أعرف الحقيقة. حقيقة أسوأ مما تخيلت. رفعت السماعة، طلبت الرقم بأصابع مرتعشة. رنين. مرتين. ثلاث مرات. ثم صوتها: "مرحبًا؟" صوت أمي. أكثر هدوءًا مما أتذكر، أكثر تعبًا. "أمي... أنا لوميرا." صمت طويل. ثم، بصوت مختنق: "لوميرا؟ يا إلهي... لوميرا، هل هذا حقًا أنتِ؟" "نعم، أمي." "أين أنتِ؟ هل أنتِ بخير؟ لماذا لم تتصلي طوال هذا الوقت؟" الأسئلة انهمرت، لكنني قاطعتها: "أمي، أحتاج أن أسألك شيئًا. وأحتاج الحقيقة." توقفت. سمعت نفسها ترتجف على الجانب الآخر من الخط. "ما... ماذا تقصدين؟" "اسمك الحقيقي. ليس مارغريت، أليس كذلك؟" صمت أطول هذه المرة. "أمي، من فضلك. أحتاج أن أعرف." صوت تنهيدة عميقة، ثم، بصوت خافت: "كيف عرفتِ؟" "كنت في بلاكريدج. في البيت القديم." صوت شهقة حادة. "لا... لا يا لوميرا، قولي لي أنك لم تذهبي إلى هناك!" "ذهبت. ورأيت... رأيته." صمت مرعب. "هل هو... هل لا يزال..." "نعم. لا يزال هناك." سمعت صوت بكاء خافت. "يا إلهي. يا إلهي. ظننت... ظننت أنه مات منذ زمن طويل. ظننت أنه انتهى." "أخبريني أمي. أخبريني الحقيقة. من أنتِ؟ ما الذي حدث؟" *** استغرق الأمر دقائق طويلة، لكن أخيرًا، بدأت أمي تتحدث. "اسمي كان إليزابيث. إليزابيث ويذرسبون. ولدت عام 1946 في بلاكريدج، في ذلك المنزل الكبير. كنت الطفلة الثالثة، الأصغر، المدللة." صوتها كان بعيدًا، كأنها تتحدث من مكان آخر، زمن آخر. "كانت عائلتي غنية، مهمة، الجميع في بلاكريدج يحترمهم... أو يخافهم. لم أكن أفهم لماذا وقتها. كنت مجرد طفلة." "لكنك اكتشفتِ." "نعم. في صيف عام 1953، عندما كنت في السابعة. كنت أستكشف المنزل، ألعب في أماكن لم يُسمح لي بالذهاب إليها. وجدت الباب إلى السرداب مفتوحًا." "نزلتِ." "نعم. ورأيته. في البداية، ظننته كابوسًا، شيئًا من مخيلتي. لكنه كان حقيقيًا. واقفًا هناك، في الظلام، يحدق بي بتلك الأعين الحمراء." "وماذا حدث؟" "كان يجب أن أصرخ، أن أركض، أن أهرب. لكنني لم أفعل. كان هناك شيء فيه... شيء حزين. شيء وحيد." صمتت للحظة. "تحدث إليّ. قال إنه كان هنا منذ زمن طويل، منذ قبل أن يأتي البشر. قال إن عائلتي استعبدته، استخدمته، أطعموه الناس مقابل قوته." "وصدقتِه؟" "كنت طفلة. لم أكن أفهم تمامًا. لكنني شعرت بصدقه. شعرت بألمه." "فماذا فعلتِ؟" "بدأت أزوره. في الليل، عندما كان الجميع نائمين، كنت أنزل إلى السرداب، أتحدث معه. علمني أشياء، أشياء غريبة، عن العالم، عن الأشياء التي تعيش في الظلال، عن القديم والمنسي." "لكن عائلتك اكتشفت." "نعم. بعد شهر. والدي وجدني في السرداب معه. كان غاضبًا، مرعوبًا. أخذني بعيدًا، أقفل الباب، قال لي ألا أقترب من هناك مرة أخرى." "لكنك عدتِ." "لم أفعل. لكنه جاء إليّ." صوتها ارتعش. "في إحدى الليالي، استيقظت ووجدته في غرفتي. قال إن عائلتي قررت قتله، أن يحرقوا المنزل وهو فيه. وأنهم قرروا قتلي أيضًا، لأنني عرفت أكثر من اللازم." شعرت ببرودة تتسلل إلى عمودي الفقري. "فخطفك." "أنقذني. هذا ما فعله. أخذني من المنزل، أخفاني في الغابة، في كهف عميق تحت الأرض. عاش معي هناك لأشهر، أطعمني، حماني، علمني كيف أنجو." "ولماذا أطلقك؟" "لأنه عرف أنني لا أستطيع العيش في الظلام إلى الأبد. عرف أنني بحاجة لحياة حقيقية، حياة بشرية. فأخذني إلى مدينة بعيدة، تركني عند باب دار أيتام، قال لي أن أنسى كل شيء، أن أبدأ من جديد." "لكنك لم تنسي." "لم أنسَ أبدًا. غيرت اسمي، عشت سنوات في دار الأيتام، تبنتني عائلة طيبة، درست، تزوجت من والدك، أنجبتكم. لكنني لم أنسَ أبدًا." "ولماذا عدنا إلى بلاكريدج؟ لماذا انتقلنا إلى هناك قبل خمس سنوات؟" صمت مؤلم. "لأنني... لأنني كنت غبية. ظننت أنني أستطيع العودة، أن أواجه ماضيّ، أن أجد إجابات. لكنني لم أكن أعرف أن عائلة ويذرسبون لا تزال هناك، لا تزال تحكم المدينة من الظلال." "واكتشفوك." "لا أعرف. ربما. أو ربما كان مجرد حظ سيء. لكن عندما بدأ كايل يسأل أسئلة، يحقق في الاختفاءات القديمة... عرفت أننا في خطر." "لكنك لم تخبرينا. لم تحذرينا." "حاولت!" صوتها ارتفع، مليء بالألم. "حاولت أن أجعلكم تتوقفون، أن نغادر بلاكريدج، لكن كايل كان عنيدًا، وأنتِ كنتِ تدعمينه، وأنا... أنا كنت خائفة من إخباركم الحقيقة. خائفة من أن تنظروا إليّ بشكل مختلف، أن تعرفوا أنني..." "أنك ماذا؟" "أنني لست بشرية تمامًا. أنني تربيت على يد وحش. أنني... أنني جزء منه." دموع بدأت تسيل على خدي. "وأنا؟ ماذا عني؟ ماذا عن الدم الذي يجري في عروقي؟" بكاء أمي كان واضحًا الآن. "أنتِ ابنتي يا لوميرا. أنتِ إنسانة. لكن نعم... هناك شيء فيكِ، شيء ورثتِه مني، ومنه. شيء يجعلك ترين أشياء لا يراها الآخرون، تشعرين بأشياء لا يشعر بها الآخرون." "لهذا كنت دائمًا مختلفة." "نعم. وأنا آسفة. آسفة جدًا. كنت يجب أن أخبرك منذ زمن طويل، يجب أن أحذرك، يجب أن..." "أمي، توقفي." مسحت دموعي. "ما حدث، حدث. لا يمكننا تغيير الماضي." "لكن كايل... كايل مات بسببي. بسبب أسراري." "لا. كايل مات بسبب عائلة ويذرسبون. بسبب جشعهم وشرهم." "هل... هل هم لا يزالون هناك؟" "لا. هم ماتوا." "ماذا؟" "كلهم. في تلك الليلة، في السرداب. الغول... قتلهم جميعًا." صمت طويل. "يا إلهي." "كسروا الاتفاق، أمي. حاولوا استخدامي كقربان، لكنه عرفني. عرف أنني من دمك، من دمه. فقتلهم بدلًا من ذلك." "هو... هل تحدث إليكِ؟" "نعم." "ماذا قال؟" "قال إنك كنتِ العائلة الوحيدة الحقيقية التي عرفها. قال إنني آخر من يهمه." صوت نشيج على الجانب الآخر من الخط. "هو... كان دائمًا وحيدًا. حتى عندما كنت طفلة، شعرت بذلك. بوحدته، بحزنه." "قال إنه سينام الآن. لوقت طويل. ربما إلى الأبد." "هذا... هذا جيد. يستحق الراحة." *** تحدثنا لساعة أخرى. أخبرتها عن كل شيء حدث، عن إيليجاه، عن المفتش راميريز، عن الحقائق التي اكتشفتها. وأخبرتني هي المزيد عن ماضيها، عن السنوات التي قضتها مع الغول، عن الأشياء التي علمها إياها، عن السبب الذي جعلها تحبه رغم كل شيء. "كان مثل أب لي"، همست. "أكثر من والدي الحقيقي، الذي كان مستعدًا لقتلي لحماية أسرار العائلة." "وأنا؟" سألت. "ماذا يعني ذلك بالنسبة لي؟" "يعني أنك قوية يا لوميرا. أقوى مما تعتقدين. الدم الذي يجري في عروقك... إنه قديم، قوي، يحمل ذكريات وقدرات لا تفهمينها بعد." "لا أريد قدرات. أريد فقط أن أكون طبيعية." "أعرف يا حبيبتي. لكن الطبيعي نسبي. أنتِ ما أنتِ عليه، وهذا جميل بطريقته الخاصة." عندما انتهت المكالمة، جلست في صمت طويل. كل شيء تغير. هويتي، ماضيّ، فهمي لمن أنا. لم أعد لوميرا هيل، الفتاة العادية من عائلة عادية. كنت لوميرا هيل، حفيدة إليزابيث ويذرسبون، الطفلة التي رباها الغول. كنت جزءًا من شيء قديم، شيء مظلم، شيء لا يمكنني الهروب منه حتى لو أردت. *** في اليوم الرابع، غادرت الفندق. قدت سيارتي جنوبًا، بعيدًا عن بلاكريدج، بعيدًا عن الذكريات، بعيدًا عن كل شيء. لكنني كنت أعرف أنني لن أستطيع الهروب حقًا. لأن بلاكريدج لم تكن مجرد مكان. كانت جزءًا مني. والغول، ذلك المخلوق القديم الوحيد، لم يكن مجرد وحش. كان... عائلة. ولأول مرة في حياتي، فهمت ما قالته أمي: "العائلة ليست دائمًا الدم. وأحيانًا، الدم ليس دائمًا بشريًا." *** أسبوعان لاحقان. استقريت في مدينة صغيرة على الساحل الغربي. استأجرت شقة صغيرة، وجدت عملًا بسيطًا في مكتبة محلية. حياة هادئة، عادية، بعيدة عن الفوضى. لكن الكوابيس لم تتوقف. كل ليلة، كنت أحلم بالسرداب، بالأعين الحمراء، بالصوت الهامس. "أنتِ... جزء... مني..." وكل صباح، كنت أستيقظ وأجد علامات غريبة على جلدي. خطوط رفيعة، شبه مرئية، تختفي بعد دقائق. كأنما شيء ما كان يحاول الخروج من الداخل. *** ذات مساء، بعد شهر من مغادرتي بلاكريدج، تلقيت رسالة. بريد عادي، مظروف قديم، بلا اسم مرسل. فتحته بحذر. بالداخل، ورقة واحدة، وصورة قديمة بالأبيض والأسود. الصورة كانت لطفلة صغيرة، تبتسم للكاميرا، تقف بجانب شيء في الظلال، شيء لا يمكن رؤيته بوضوح، لكن الأعين كانت واضحة. ستة أعين حمراء. والطفلة... كانت أمي. كانت إليزابيث. وعلى ظهر الصورة، مكتوب بخط يد مرتعش: "العائلة لا تُنسى أبدًا. سننتظر عودتك." لا توقيع. لا اسم. فقط تلك الكلمات. أسقطت الصورة، يداي ترتعشان. من أرسل هذا؟ كيف عرفوا عنواني؟ ثم رأيت شيئًا آخر في المظروف. قطعة صغيرة من القماش، قماش قديم، بني داكن، ملطخ بشيء. رفعته إلى أنفي. رائحة الدم. القديم، الجاف. ومعه، رائحة أخرى. رائحة الأرض، الرطوبة، الظلام. رائحة السرداب. رائحة البيت. سقط القماش من يدي. وفي تلك اللحظة، عرفت. لم ينته هذا. لن ينتهي أبدًا. بلاكريدج، الغول، كل شيء... كان جزءًا مني الآن. ومهما هربت، مهما حاولت أن أبدأ من جديد... سيجدونني. لأن في دمي، في عظامي، في روحي...كنت واحدة منهم.